ابن عربي
95
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
[ العطف الإلهي ] وقال رضي اللّه عنه : بالجزع بين الأبرقين الموعد * فأنخ ركائبنا فهذا المورد لما كان الجزع منعطف الوادي أشار به إلى العواطف الإلهية ، وجعله بين الأبرقين ، وقد ذكرنا أنّ البرق مشهد ذاتي وسناه للشاهد الذاتي الذي يحصل في نفس المشاهد عند الرؤية ، والموعد ما وقع عليه الوعد كما قال تعالى : جَنَّاتُ عَدْنٍ [ الرعد : 23 ، النحل : 31 ، مريم : 61 ] ، وهي جنة الإقامة فصفة الجنة التي وعد الرحمن مقام اللطف عباده مقام العبودية بإضافة الاختصاص بالغيب ، أو يريد مقام الإيمان . قال أبو يزيد « 1 » رضي اللّه عنه : أنتم أخذتم علمكم ميتا عن ميت ، ونحن أخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت ، من حيث الخبر الإلهي على اللسان النبوي . وقد يريد بالغيب حالة أوان أخذ الميثاق على النفوس ، فكان غيبا ، أي في عالم الأمر والملكوت ، إنه كان وعده مأتيا حقا صدقا على المعنى . وقوله : فأنخ ركائبنا : إن أراد جنة الحس والمحسوس ، فالركائب هنا هي الهياكل الحاملة للطائف الإنسانية ، والمورد هو ما ينزلون عليه من النعيم الدائم الملذوذ للنفوس والأعين ، وإن أراد جنة المعاني فالركائب هنا مطايا الهمم ، وقوله : أنخ ؛ أي لا تتعدى الهمم ما تعلقت به مطالبها ، والمورد عبارة عن بلوغها أمنيتها ، وهو سرّ الحياة الدائمة ، فإن كان لها أمر فوق هذا فهو خارج عن الموعد من باب المنة والفضل الإلهي الذي لا يدخل تحت حصر ولا حد . ثم قال : لا تطلبنّ ولا تنادي « 2 » بعده * يا حاجر ، يا بارق ، يا ثهمد « 3 » يقول : إذا وصلت إلى هذا المورد على التفسير التالي لا تطلب بعده أمرا آخر ، فإنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « ليس وراء اللّه مرمى ، وليس وراء اللّه منتهى ، وماذا بعد الحق إلا الضلال » .
--> ( 1 ) هو طيفور بن عيسى البسطامي ( 188 - 261 ه - 804 - 875 م ) أبو يزيد ، ويقال : بايزيد ، زاهد مشهور له أخبار كثيرة . نسبته إلى بسطام أصله منها ، ووفاته فيها . وفي المستشرقين من يرى أنه كان يقول بوحدة الوجود ، وأنه ربما كان أول قائل بمذهب الفناء ويعرف أتباعه بالطيفورية أو البسطامية . الأعلام 3 / 235 ، وطبقات الصوفية 67 - 74 ، ووفيات 1 / 240 ، والرسالة القشيرية ص 395 - 397 . ( 2 ) في نسخة أخرى : تفادي . ( 3 ) في نسخة أخرى : يا ثمهد .